محمد كرد علي

22

خطط الشام

يوما فإساءتهم أيام . وطاعتهم وغناؤهم وبلاؤهم تبع للسلطان ، إذا كان على أخلاق ومتانة خضعوا واستكانوا وكانوا آلة خير لقتال الأعداء والخوارج على الملك ، وإلا أصبحوا من أعظم أدوات الشر ، وكانوا يتمحضون للخدمة ويعيشون بالإقطاعات العظيمة التي كانت لهم ، وإذا نشبت الحرب راجت سوقهم وكثر الخير عليهم لأنهم يجهزون من الدولة بالأموال والألبسة والسلاح والكراع . وكلما جازوا بلدا أو فتحوا مصرا اعتدوا على السكان والمكان وأخذوا ما استطاعوا أخذه من مال وعروض وناطق وصامت . الجيوش الصليبية والتترية : رأت الشام من ضروب الجيوش على عهد الحروب الصليبية ثم في عهد الحروب المغولية التترية ما يستغرب منه . فإن جيوش الصليبيين كانت مؤلفة من معظم العناصر الفرنجية التي كانت تدين بدين البابوية في أوروبا ، بل كانوا يجندون من أحبّ من الوطنيين ولا سيما الموارنة . وكانت جيوش هولاكو وغازان وتيمور لنك - مؤلفة من معظم عناصر آسيا . وجميع هذه الجيوش الغربية والشرقية أضرت بهذه الديار أضرارا فاحشة ، لأن النظم الحربية الحديثة لم تكن معروفة إذ ذاك ، فكان القائد بحكم الضرورة يتسامح مع أجناده إذا عرقوا لحم من ينزلون عليهم وكسروه سواء كانوا مسالمين أو محاربين . وطول دور الحروب الصليبية في الشام أورث أهله شجاعة واستهانة بالموت حتى كاد يعد جميع أهله جندا . الشدائد معلمة الشعوب ، وأي شدة على الشام أعظم من أن تجيش أوروبا على هذا القطر الصغير قرنين كاملين . وقد اعترف المسلمون للصليبيين بالشجاعة والإقدام ، واعترف هؤلاء للمسلمين بمثل ذلك . ومن أجمل ضروب الإنصاف أن ينصف المرء خصمه ويذكر محاسنه كما يذكر مقابحه . الجيوش في القرون الوسطى وجمعيات الفتوة : كانت طوائف الأجناد عدة كثيرة تنسب كما قال القلقشندي كل طائفة منهم إلى من بقي من بقايا خليفة من الخلفاء الماضين منهم كالحافظيّة والآمرية